فخر الدين الرازي
137
تفسير الرازي
تعالى : * ( ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله ) * والعبد يتحمل من مولاه مالا يتحمله من غيره ، فلو أنه عليه السلام قال ابتداء : * ( يا أيها الكافرون ) * لجوزوا أن يكون هذا كلام محمد ، فلعلهم ما كانوا يتحملونه منه وكانوا يؤذونه . أما لما سمعوا قوله : * ( قل ) * علموا أنه ينقل هذا التغليظ عن خالق السماوات والأرض ، فكانوا يتحملونه ولا يعظم تأذيهم به وخامسها : أن قوله : * ( قل ) * يوجب كونه رسولاً من عند الله ، فكلما قيل له : * ( قل ) * كان ذلك كالمنشور الجديد في ثبوت رسالته ، وذلك يقتضي المبالغة في تعظيم الرسول ، فإن الملك إذا فوض مملكته إلى بعض عبيده ، فإذا كان يكتب له كل شهر وسنة منشوراً جديداً دل ذلك على غاية اعتنائه بشأنه ، وأنه على عزم أن يزيده كل يوم تعظيماً وتشريفاً وسادسها : أن الكفار لما قالوا : نعبد إلهك سنة ، وتعبد آلهتنا سنة ، فكأنه عليه السلام قال : استأمرت إليه فبه . فقال : * ( قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ) * وسابعها : الكفار قالوا فيه : السوء ، فهو تعالى زجرهم عن ذلك ، وأجابهم وقال : * ( إن شانئك هو الأبتر ) * وكأنه تعالى قال : حين ذكروك بسوء ، فأنا كنت المجيب بنفسي ، فحين ذكروني بالسوء وأثبتوا لي الشركاء ، فكن أنت المجيب : * ( قل يا أيها الكافرون ، لا أعبد ما تبعدون ) * وثامنها : أنهم سموك أبتر ، فإن شئت أن تستوفي منهم القصاص ، فاذكرهم بوصف ذم بحيث تكون صادقاً فيه : * ( قل يا أيها الكافرون ) * لكن الفرق أنهم عابوك بما ليس من فعلك وأنت تعيبهم بما هو فعلهم وتاسعها : أن بتقدير أن تقول : يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدونه ، والكفار يقولون : هذا كلام ربك أم كلامك ، فإن كان كلام ربك فربك يقول : أنا لا أعبد هذه الأصنام ، ونحن لا نطلب هذه العبادة من ربك إنما نطلبها منك ، وإن كان هذا كلامك فأنت قلت من عند نفسك إني لا أعبد هذه الأصنام ، فلم قلت : إن ربك هو الذي أمرك بذلك ، أما لما قال : قل ، سقط هذا الاعتراض لأن قوله : * ( قل ) * يدل على أنه مأمور من عند الله تعالى بأن لا يعبدها ويتبرأ منها وعاشرها : أنه لو أنزل قوله : * ( يا أيها الكافرون ) * لكان يقرؤها عليهم لا محالة ، لأنه لا يجوز أن يخون في الوحي إلا أنه لما قال : * ( قل ) * كان ذلك كالتأكيد في إيجاب تبليغ هذا الوحي إليهم ، والتأكيد يدل على أن ذلك الأمر أمر عظيم . فبهذا الطريق تدل هذه الكلمة على أن الذي قالوه وطلبوه من الرسول أمر منكر في غاية القبح ونهاية الفحش الحادي عشر : كأنه تعالى يقول كانت التقية جائزة عند الخوف ، أما الآن لما قوينا قلبك بقولنا : * ( إنا أعطيناك الكوثر ) * وبقولنا : * ( إن شانئك هو الأبتر ) * فلا تبال بهم ولا تلتفت إليهم و : * ( قل يا أيها الكافرون ، لا أعبد ما تعبدون ) * الثاني عشر : أن خطاب الله تعالى مع العبد من غير واسطة يوجب التعظيم ألا ترى أنه تعالى ذكر من أقسام إهانة الكفار ، إنه تعالى لا يكلمهم ، فلو قال : * ( يا أيها الكافرون ) * لكان ذلك من حيث أنه خطاب مشافهة يوجب التعظيم ، ومن حيث أنه وصف لهم بالكفر يوجب الإيذاء فينجبر الإيذاء بالإكرام ، أما لما قال : * ( قل يا أيها الكافرون ) * فحينئذ يرجع تشريف